الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

389

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في اختصاص الخطاب بالرئيس مع كون المطلوب حقيقة فعل الاتباع أو للاتفاق عليه نظرا إلى انحصار خواصه عليه السلام في أمور لم يذكر ذلك في جملتها ويمكن دفع الوجهين بأنا نسلم الاشتراك لكن مع الاتفاق فيما يحتمل إناطة الحكم به وليس الحال كذلك في المقام لوضوح الاختلاف حيث إنه متمكن من العلم وليس ذلك حاصلا لنا أن المفروض انسداد سبيل العلم بالنسبة إلينا فأقصى الأمر أن يجري ذلك بالنسبة إلى المتمكنين من العلم من أمته ولا كلام فيه ثانيها أنه لا عموم في الآية لتقييد المنع من جميع الظنون والنهي عن بعضها مما لا كلام فيه وقد فسرها جماعة من المفسرين بأمور مخصوصة فقيل معناه لا تقل سمعت ولم تسمع ولا رأيت ولم تر ولا علمت ولم تعلم وقيل معناه لا تقل في قفا غيرك شيء وقيل هو شهادة الزور وقيل معناه لا ترم أحدا بما ليس لك به علم وعلى كل حال كلٌّ من هذه التفاسير لا يرتبط بالمدعى ثالثها أنه على فرض كونه للعموم إنما يفيد رفع الإيجاب الكلي دون السلب الكلي فهي إنما تدل على النهي عن العموم لا عموم النهي كما هو المدعى والجواب فيها أن الإطلاق هنا كاف في إفادة العموم لرجوع المطلق في المقام إلى العام نظرا إلى دليل الحكمة مضافا إلى وقوعه في سياق النهي الذي هو بمنزلة النفي في اقتضائه عموم ما يقع في سياقه كما تقول لا تهن العالم وعلى كل من الوجهين فهو يفيد عموم النفي لا النهي عن العموم كما ظن وما ذكر من كلام المفسرين مبني على إرادة المثال ومع الغض عنه فلا حجة فيه مع مخالفته لظاهر الإطلاق ومما قررناه يظهر الإيراد على الأخبار المذكورة أيضا فإنه قد يناقش في إسنادها ودلالتها بأن أقصى ما يفيده الظن وحجيته أول الكلام بل نقول إن مفادها عدم جواز الاتكال على الظنون فلو صح مفادها لما جاز الاعتماد ويمكن الجواب عنها بنحو ما مر ويرد عليها أيضا بأن ما يفيده تلك الروايات عدم الاتكال على الظن من حيث هو حسب ما ذكر في مفاد الآيات وهو خارج عن محل الكلام وقد توافقت عن المنع منه الأفهام فلا يدل على المدعى وأيضا أقصى ما يفيده عموم المنع عن الأخذ بالظن وقد خرج ظن المجتهد للأدلة القاطعة الدالة على حجيته فأقصى ذلك تخصيص العام وتقييد المطلق لقيام الدليل عليه ويمكن دفع الوجهين بأن ذلك لا ينافي ما هو المقصود بتلك الظواهر حيث إن المقصود من ذلك بيان أن مقتضى الأدلة القائمة من الكتاب والسنة عدم حجية شيء من الظنون إلى أن يقوم دليل على حجيته فإن تم الدليل على حجية خصوص ظن المجتهد مطلقا فلا كلام ولم يزاحمه شيء من تلك الظواهر وإلا كان مقتضى الدليل المذكور المنع من الأخذ به كذلك وهو ظاهر وسيأتي إن شاء الله توضيح القول فيه الثاني الإجماع ويقرر بوجوه أحدها الإجماع على عدم حجية الظن وأن الحجة إنما هي العلم وأن على كل من الأحكام الشرعية دليلا قطعيا يصل إليه الطالب فلا فرق بينهما في ذلك ولا وجه للرجوع إلى الظن في الفروع كما هو الحال في الأصول يظهر ذلك من السيد فيما حكي عنه قائلا أن الخلاف في وقوع الدين يجري مجرى الخلاف في أصوله وهذا المخالف في الأمرين يعني الأصول والفروع ممكن صحيح لأن الظن لا مجال له في شيء من ذلك ولا الاجتهاد المقتضي إلى الظن دون العلم والشيعة الإمامية مطبقة على أن مخالفها في الفروع كمخالفها في الأصول في الأحكام انتهى والإجماع المذكور وإن قضى ببطلان القول بحجية مطلق الظن إلا أنه مخالف للقول بحجية الظنون الخاصة أيضا نظرا إلى قضائه بعدم حجية الظن مطلقا كما ذهب إليه الأخبارية فلا يصح التمسك به في المقام بل لا بد من القطع بفساده لقيام الضرورة على حجية الظن في الفروع في الجملة وقد يقال إن ما ذكره السيد رحمه الله إنما كان بالنظر إلى زمانه الذي لم ينسد فيه باب العلم وكان أخذ الأحكام من الأدلة القطعية ممكنا حسبما ذكره السيد في مقام آخر أيضا ومن البين أنه مع عدم انسداد باب العلم لا داعي إلى القول بحجية الظن بخلاف هذه الأزمنة وما ضاهاها فلا يرتبط الإجماع المدعى بالمقام لكنا نقول إن الظاهر أن انفتاح السبيل كذلك لم يكن حاصلا في عصره بل وما تقدم على عصره أيضا كيف ولو كانت الأدلة القطعية قائمة واضحة لما وقع هذه الاختلافات بين القدماء لبعد تفريع الخلاف كذلك على الأدلة القطعية النقلية وعلى فرض حصوله فإنما يقع على سبيل الندرة مع أن الخلاف للواقع بين القدماء لا يقصر عن الخلاف الحاصل بين المتأخرين ويشهد له أيضا ملاحظة طرق استدلالهم ووجوه احتجاجهم على المسائل فإنهم يتمسكون غالبا بوجوه لا تفيد العلم قطعا فالدعوى المذكور من السيد رحمه الله بعيد جدا بل يكاد يقطع بخلافه ويومي إليه ما ذكره من قطع الإمامية أن مخالفها في الفروع كمخالفها في الأصول فإنه لا يغني منه أن كلامهم يقطع بأن مخالفته في المسألة الفرعية ولو كان من الإمامية كمخالفته في الأصول للقطع بخلافه كيف والاختلاف الواقع بينهم معروفة واضحة ولم يقطع أحدا منهم فضلا له خاصة ولا قطع مؤداته بل ولم يتحقق منه جزمه لذلك ولا الظن فيه كما هو الحال في مخالفة الأصول وهو من الأمور الواضحة بل الضرورية بعد ملاحظة طريقهم والظاهر أن مقصوده بذلك قطعهم بكون مخالفهم في الفروع من سائر المذاهب الآخذين فروعهم من غير الطرق المقررة في الشريعة عند الشيعة كمخالفهم في الأصول وإن كان المخالف في الفروع على الوجه المذكور هو المخالف في الأصول إلا أن الحيثية مختلفة والحجة متعددة والظاهر أنه قدس سره عنى بقيام الدليل القاطع على كل مسألة من الفروع ما يعم القطع بالواقع أو القطع بوجوب العمل لاشتراكهما في القطع بالتكليف فلا بد أن يكون الدليل مفيدا للقطع بالواقع والقطع بالتكليف بقيام القاطع على حجيته حسبما نص عليه في مقام آخر فلا يكتفي بمجرد ما يفيد الظن بالواقع كما هو الحال في الاجتهاد المتداول بين العامة ولذا حكم بالمنع من الاجتهاد المفضي إلى الظن دون العلم والحاصل أن القطع بالطريق الموصل كالقطع بالواقع في قطع عذر المكلف ووضوح التكليف عنده وبلوغ الحجة بالنسبة إليه فإن قلت إن مطلق الظن عند من يعمل به ويقول بحجيته ولذا قالوا إن ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم قلت مقصود السيد من الإجماع المذكور هو دفع ذلك والرد عليه وأن الظن مطلقا مما لا دليل على حجيته بل لا بد من الأخذ بالعلم أو طريق قام الدليل العلمي على حجيته فما ادعاه من الإجماع إنما هو على أصالة عدم حجية الظن وأن الحجة إنما هي الطرق الخاصة التي دلت عليه الأدلة القاطعة فمن أخذ الفروع من غير تلك الطرق العلمية يحكمون بضلالته كالمخالف في أصول الدين والمذهب وعلى هذا فيرجع ما ذكره من الإجماع إلى الوجه الثاني وتقرير الإجماع وهو أن يدعى الإجماع على أن الأصل الثابت بعد انسداد سبيل العلم هو عدم حجية الظن